أبي حيان الأندلسي
9
البحر المحيط في التفسير
لا تدعني إلا بيا عبدها * لأنه أشرف أسمائي وقال العلماء : لو كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم اسم أشرف منه لسماه به في تلك الحالة . وانتصب لَيْلًا على الظرف ، ومعلوم أن السّرى لا يكون في اللغة إلا بالليل ، ولكنه ذكر على سبيل التوكيد . وقيل : يعني في جوف الليل فلم يكن إدلاجا ولا ادّلاجا . وقال الزمخشري : أراد بقوله : لَيْلًا بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء ، وأنه أسرى به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة ، وذلك أن التنكير فيه قد دلّ على معنى البعضية ، ويشهد لذلك قراءة عبد اللّه وحذيفة من الليل أي بعض الليل كقوله : وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ « 1 » على الأمر بالقيام في بعض الليل انتهى . والظاهر أن قوله : مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ هو المسجد المحيط بالكعبة بعينه ، وهو قول أنس . وقيل من الحجر . وقيل من بين زمزم والمقام . وقيل من شعب أبي طالب . وقيل من بيت أم هانئ . وقيل من سقف بيته عليه السلام ، وعلى هذه الأقوال الثلاثة يكون أطلق المسجد الحرام على مكة . وقال قتادة ومقاتل : قبل الهجرة بعام . وقالت عائشة بعام ونصف في رجب . وقيل في سبع عشرة من ربيع الأول والرسول عليه السلام ابن إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر وثمانية وعشرين يوما . وعن ابن شهاب بعد المبعث بسبعة أعوام . وعن الحربي ليلة سبع وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة ، والمتحقق أن ذلك كان بعد شق الصحيفة وقبل بيعة العقبة ، ووقع لشريك بن أبي نمر في الصحيح أن ذلك كان قبل أن يوحى إليه ، ولا خلاف بين المحدثين أن ذلك وهم من شريك . وحكى الزمخشري عن أنس والحسن أنه كان قبل المبعث . و قال أبو بكر محمد بن عليّ بن القاسم الرعيني في تاريخه : أسري به من مكة إلى بيت المقدس وعرّج به إلى السماء قبل مبعثه بثمانية عشر شهرا ، ويروى أنه كان نائما في بيت أم هانئ بعد صلاة العشاء ، فأسري به ورجع من ليلته وقص القصة على أم هانئ وقال : « مثل لي النبيون فصليت بهم » . وقام ليخرج إلى المسجد فتشبثت أم هانئ بثوبه فقال : « ما لك » ؟ قالت : أخشى أن يكذبك قومك إن أخبرتهم ، قال : « وإن كذبوني » فخرج فجلس إليه أبو جهل فأخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بحديث الإسراء . فقال أبو جهل : يا معشر بني كعب بن لؤي هلم فحدثهم فمن بين مصفق وواضع يده على رأسه تعجبا وإنكارا ، وارتد ناس ممن كان آمن به وسعى رجال إلى أبي بكر فقال : إن كان قال ذلك لقد صدق ، قالوا :
--> ( 1 ) سورة الإسراء : 17 / 79 .